يقف العرش شاغراً في قاعة المجلس، وذراعاه منحوتتان بسلطة قديمة، لكن لا حاكم يثبّت الغرفة. الرايات التي كانت تتدلى ثقيلة على الجدار البعيد قد جمعت الغبار والصمت. شاراتها غامضة، ضائعة بلا حضور القيادة. يبقى الباب مفتوحاً، وتيار هواء يمر فوق بلاط الحجر، فيحرك آثار البرلمان التي لا تبقى إلا بوصفها روتيناً. في الفراغ، يصير ثقل كل قاعدة غير متناسب، وتتردد ضربات مطرقة الإجراء حيث خبت الإرادة والرؤية.
وراء الأسوار، على حافة المقالع العتيقة، كان الرجال يقطعون الصخور المسطحة ويكدسونها، يصفّونها أسيجة وأكواخاً. تلك الحجارة، الصلبة والرقيقة والصابرة بلا نهاية، تتماسك بالبنية وحدها، وكل حجر موضوع وفق خطة موزونة. لم يبق ملاط. التداخل وحده يبقي الجدران قائمة. حين يغيب المشرف، يتبع البناؤون التعليمات المرسومة، ويضعون كل لوح عن ظهر عادة، حتى يصير معنى عملهم بارداً كالصخر في أيديهم. يصمد لأنه لا بد أن يصمد، لكن القلب قد ذهب.
في قرية مرتفعة، الأسطح مغطاة بألواح رقيقة شُقت من الأرض، وركّبت بعناية لتمنع المطر والريح. حين تمر العواصف وتتحول السماء إلى سحاب منخفض، تأوي تلك الأسطح أهل البيوت من برد يتسرب بين الحجارة. هواء الجبل يجلب رذاذاً مقيماً، هادئاً ومقيماً، لا عنيفاً ولا دافئاً، يكفي فقط ليذكّر الناس أن الموسم قد فقد مركزه. تصير الدروب عبر الأرض البور زلقة، وتذوب الحدود بين الأرض والسماء في رتابة واحدة، طقس تردد وصبر.
في المطبخ، صينية محار تستريح على المنضدة، وكل صدفة محززة وخشنة، تحوي في داخلها صلابة شاحبة. جُمعت عند الفجر بأيد تتبع المد والجزر، وتكرر الإيماءات نفسها التي كررها الآباء والأجداد، وإن كان السوق لا يطلب إلا الكم لا الفخر. تنزع السكين المفصلة العنيدة، ويُقدم اللحم لا بوصفه طعاماً لذيذاً، بل بوصفه واجباً، حصاداً يُعد ولا يُتذوق. في موضع آخر من البيت، بطانية صوفية ملقاة على ظهر كرسي. نُسجت للدفء، وتكرر نقشها من الذاكرة حتى لم يفكر الصانع إلا في الإتمام.
على الساحل، تنمو شجيرات حنتها الريح حيث لا يضرب أي شيء آخر جذوره. أغصانها سلكية، وأوراقها صغيرة صامتة، شكلتها سنون من العواصف التي لا تلين ومن هواء الملح. لا تزهر للعرض، ولا تأوي الطيور المغردة. تبقى لأن إجراء البقاء هو كل ما بقي لها. في هذا المشهد، يصير الشكل وظيفة، وغاية كل شيء ببساطة أن يستمر.
اليوم، إن شئت أن تتحرك مع العالم كما هو، فقد تمشي وراء جدار حجري قديم وتمرر أصابعك على حافته المستوية التي صقلها الزمن، فتحس ما يصمد حين يمضي القصد. قد تفتح صدفة وتتذوق ملوحتها، تاركاً الإجراء يفسح للإحساس. تستطيع أن تلتف بغطاء صوفي وزنه مألوف، أو تقف في الخارج تحت رذاذ خفيف، تاركاً إصراره يستقر على جلدك.
لون الحظ اليوم هو رمادي أردوازي فاتح.
Lucky Color: LightSlateGray — #778899اصمد للطقس، ولا تستعجل الكرسي الخالي.