يقف مسافر شاب عند الهامش ذاته حيث تُسلم الأرض نفسها للهواء، وأصابع قدميه متأهبة فوق هبوط شاقولي، وجراب ملقى بلا اكتراث على كتف. تستريح في يده وردة واحدة، غير مرضوضة ومليئة بندى الصباح. عند عقبيه يندفع كلب ويثب، وفروه مشعّث، وعيناه مشرقتان بفرح الإمكان البسيط. لا ماضٍ هنا، ولا عبء انتظار، بل سكون البدايات ووميضها فحسب.
عالم المجنون تشكّله أشياء تتكلم عن دروب غير موسومة وعن خطوات أولى. الوردة التي يمسكها تفتحت بين ليلة وضحاها، وبتلاتها ليّنة كورق جديد. في القصص القديمة وُضعت زهرة كهذه على المذابح عند انكسار الربيع، وعبقها يلتف في الهواء في أديرة كان الرهبان ينسخون فيها المخطوطات على صحائف مصنوعة من كتّان مهروس. تلك الصحائف، المكدّسة والمجلَّدة، كانت صفحات لم يُكتب عليها بعد، تنتظر العلامات الأولى المترددة من كاتب. لفّ المسافرون في أراضٍ بعيدة كنوزهم في الكتّان المغزول باليد، وكان يُستخدم لتقميط الرضّع ولتكفين الموتى. كلتا الشعيرتين، بدء التنفس ونهايته، تحيط بهما أقمشة تشير إلى وقفة، إلى لحظة قبل أن تُقلب الفصول كلها.
المشهد تحت الجرف مغطّى بالضباب، وقمم الجبال محجوبة بضباب الصباح، ذلك الجو الذي يكتم ضجيج العالم ويرهف الحواس. اعتقد الشعراء القدماء أن طقسًا كهذا فأل للرحلات التي تبدأ في البراءة، حين يكون الهواء قبل الشروق باردًا وشبه صامت. راقب الرعاة يومًا قطعانهم تختفي في ضفاف من البخار، غير واثقين إن كانت الحملان ستجد موطئ قدم أو تسقط في ما لا يُرى. يدعو هذا الطقس إلى نفس، والعيون تبحث عن أشكال مخبأة في البلل الدوّار.
في بلدات معيّنة على الساحل الشمالي يُعجَن الخبز ويُخبَز عند الفجر، وتُشق لبابته لتكشف البخار والدفء. الشريحة الأولى التي تُقدَّم لطفل، والقشرة تستسلم للأصابع، بسيطة ونظيفة كالساعة التي صُنعت فيها. في السوق يتجمع بائعو السمك قبل أن تعلو الشمس الأسطح، فيشرّحون صيد القد والهلبوت على ألواح من الرخام فُركت حتى لمعت. في المطابخ عبر العالم يمتد الطهاة إلى زبديات من الخزف، ملساء وباردة عند اللمس، ليخلطوا بدايات وجبات لعائلات لم تنهض بعد.
لا تُوسَم الرحلة باليقين، بل بالاستعداد للخطوة إلى الأمام. تتردد خطوة المجنون في أول ثلج يسقط على مدينة صامتة، فيغطّي الشوارع والعربات بسكون يليّن حتى أقسى الخطوط. ينهض الأطفال مبكرًا ليركضوا حفاة بين الرقائق، وأفواههم مفتوحة لتذوّق ما وصل للتو من السماء. في قرى الجبال ينطلق المسافرون في الدروب قبل الفجر، والأحذية تقرمش الصقيع الذي يكسو العشب والحجارة. كل خطوة وعد، وطريقة لتحية النهار الذي لم يُعَش بعد.
اتباع حركة المجنون هو العثور على الأشياء التي تشير إلى الانفتاح وإلى الترحيب. اليوم افتح نافذة مع أول الضوء، وتنشّق الهواء النظيف قبل أن يستيقظ العالم. مزّق قطعة من رغيف طري، ودع الدفء يبقى في يديك. اطوِ قطعة كتّان وضعها على طاولتك، مكانًا يستريح فيه شيء جديد. اخرج ودع عينيك تضيعان في الضباب، أو في الثلج، أو في الفضاء المشرق فوق الأسطح.
لون الحظ اليوم هو أبيض.
Lucky Color: White — #FFFFFFكل رحلة تبدأ بالسكون قبل أن تُنطق كلمة. البراءة تفتح الطريق.