يقف رجل وحده على ممرّ جبلي، وقدماه مغروستان على المسار الوعر. يستند إلى عصا، ليست شيئاً مصنوعاً أو مزخرفاً، بل من نوع عصا المشي التي قد يقطعها المرء من شجرة متينة أكلتها الريح على منحدر شمالي. سطحها موسوم بعُقد قديمة وكشط سكّين، عمليّاً كالمسافر نفسه. في يده الأخرى يتوهّج مصباح، ودائرة ناره الصغيرة ممسوكة قريباً، مضيئة الدرب أمامه مباشرة. هنا العالم هادئ لكنّه ليس فارغاً: حجر تحت القدم، وريح في الأغصان، والمسك الخافت للتراب والأوراق القديمة. يمشي الناسك تحت سماء يمكن أن ينقلب فيها الطقس، وتصير أشكال الأشياء مأوى وعلامة معاً.
قبل الزجاج والزيت بزمن طويل بُني إطار المصباح من خشب القلب والحديد. نحت الرهبان والتائهون إيّاها من خشب جُمع عند حافّة الغابة، خشب احتمل مواسم الثلج والذوبان، ولحاؤه سميك وكثيف، وعرقه يجري مستقيماً كذهن منضبط. مثل هذا الخشب كان عمود جسور المشاة الريفية وأضلاع الأكواخ البسيطة، حافظاً الدفء عبر الأشهر الطويلة القاسية حين كان رفيق الرجل الوحيد شكل أفكاره. الجلوس بجانب طاولة خشبية، موسومة بكلّ كشط من الحياة اليومية، ووضع المصباح هو اختيار رفقة الصمت والساعات البطيئة.
حمل هذا الخشب أسماء كثيرة، دردار، وزان، وبلّوط، لكن الحرفة هي نفسها. خذ، مثلاً، طاولة العمل في زاوية سقيفة قديمة، والسطح ملمّع بسنوات الاستعمال، أو ملعقة منحوتة باليد لتحريك قدر على نار ثابتة. في القرى الشمالية قطع صنّاع البراميل يوماً ألواحاً لبراميل تحفظ تفّاح الخريف أو تُبقي حصادات أواخر الصيف المدخّنة آمنة. في الغابة حمل الصيّادون الفخاخ والأدوات مربوطة بجذور قاسية، وكلّ مقبض، وكلّ درجة، وكلّ سرير مرتجل اعتمد على قوّة ما شكّله الفأس واليد. حتى عكّاز الراعي، المحمول فوق المراعي العالية، قُطع من الأصل الدائم نفسه.
العزلة ليست فراغاً، بل جمع للأساسيات: مكان للجلوس، وضوء للقراءة، وعصا لن تخون، كلّها مستمدّة ممّا تعطيه الأرض طوعاً. يلقي مصباح الناسك نصف قطر صغيراً، لكن داخله يُكشف كلّ شيء بحقّه. ثمّة الخزانة، وأبوابها تدقّ مغلقة بثقل الدقيق المشترى والعسل البرّي، وثمّة مخضة الزبد التي يمرّر إيقاعها الثابت الساعات في ظهيرة عاصفة. يعرف الناسك القيمة الصبورة للأشياء التي تنمو ببطء: الوعاء الذي صُقل ناعماً بعد مواسم الاستعمال، وألواح الأرضية التي تصرّ تحت خطوات حذرة، وأعمدة السياج التي تصدّ الريح وتَسِم حدّ حياة معيشة لمعناها الخاص.
بعض الأيام تُسنَد العصا إلى الشرفة بينما تصلح درجة رخوة على السلّم. أياماً أخرى قد تمسح الطاولة الخشبية القديمة بعد أمسية قُضيت في الكتابة بضوء المصباح، وعرق السطح يمسك كلّ حكاية. يحسن أيضاً نحت ملعقة جديدة من غصن ساقط، أو صنفرة حافّة باب خزانة كي ينغلق من غير احتجاج. أو قد تجلب مقعداً بسيطاً، وتجلس مع دفتر مفتوح، وتصغي إلى الطقس يتحرّك عبر الأشجار خارج نافذتك.
لون الحظ اليوم هو خشب متين.
Lucky Color: BurlyWood — #DEB887أبقِ المصباح قريباً وثق بقوّة ما يدوم.