يوماً وقف الناسك على قمّة الجبل، رافعاً فانوسه عالياً وتاركاً إيّاه يلقي ضوءاً صغيراً أكيداً على الهواء الدوّار والصخور. الآن اللهب مُغلق، محجوب. هنا، على القمّة التي كشطتها الريح، يجلس بين حجارة باردة كالحديد القديم، مغلّفاً تحت سماء بلون أسقف الأردواز بعد المطر. يطوي نفسه في العزلة، مولياً وجهه عن المسارات في الأسفل، والمصباح مجرّد ثقل في يده. رفض الناس يصير الطريق: لا خطوات تُسمع على الحصى، ولا شيء إلّا نداء الغربان الفارغ وتنهّد الطقس القلق في الأعلى.
في العالم الأسفل تَسِم جدران من الأردواز المحجور حدّ حدائق منسيّة. أسقف أديرة ضائعة، وبلاطها متشقّق ومكدوم بالسنوات، تلمع حين يلتفّ الضباب فوقها. أسيجة من حجر مرصوص تتعرّج عبر البرّية، والحزاز يقبض وجوهها الخشنة، مقسّمة لا شيء عن لا شيء. في الصباح الباكر يحدّق الصيّادون على الساحل الشمالي إلى البحر، وقواربهم تتمايل حيث تمتزج السماء بالماء، والأفق خطّ واحد مسطّح، غير واضح، لا بداية ولا نهاية. الجبل، حين يُرى من القرية، حضور، وكتفاه محنيّتان إلى الداخل، وظلّه يضغط آخر دفء اليوم إلى الخارج.
تتبّع العمّال يوماً العروق تحت الأرض، ناقشين عبر عظام الجبال المضغوطة لينحتوا ألواحاً للأسطح والأرضيات. حملت أيديهم آثار العمل، واستقرّ الغبار على ثيابهم، وحين عادوا إلى أكواخهم عند الغسق بدا الهواء يتشبّث بهم، تذكيراً بالعروق العميقة التي تتبّعوها في صمت. تدوم الحرفة في الذاكرة، في أكوام البلاط المطروح خلف الورش القديمة، وفي دفاتر مملوءة بأسماء وتواريخ لا يذكرها أحد الآن. وحين يركض الأطفال عبر المحاجر المهجورة، ضحكهم مكتوم، كأنّ الحجارة نفسها تبتلع الصوت.
في المطبخ يجلس هاون منحوت من صخر كثيف بجانب الموقد، وسطحه مرقّط بسنوات طحن الأعشاب والملح. وفي البستان تجمع أوراق المريمية، الناعمة للمس، ندى لا يجفّ تماماً أبداً، ممسكة دائماً برمادية الفجر. الناسك ربما عرف هذه الأشياء يوماً، قبل أن يولي ظهره، وقبل أن يدع الفانوس يموت، وقبل أن يدّعي الجبل رفيقه الوحيد. الآن هو شخص مصبوب من المادة نفسها لأغطية الآبار القديمة وعتبات النوافذ، صامد لكن خامل، شيء شكّله الغياب.
في أمسيات معيّنة ينغلق الطقس بضباب رطب ثقيل، كاتماً كلّ الخطوط، حتى يبدو العالم نفسه يتوقّف ويحبس نفسه. الهواء كثيف، والأرض زلقة، والمسارات صاعدة الجبل تختفي، مبتلعة بالسكون. من يسكنون الأسفل يوقدون مواقدهم ويضغطون أكفّهم على الحجارة المبطّنة للموقد، متعزّين بالمادة نفسها التي، على الجبل، تُبقي الناسك رفقة في عزلته المختارة.
قد تختم اليوم برصّ حجارة مسطّحة حدّاً لرقعتك من الأرض، أو بحمل قطعة أردواز في جيبك تذكيراً بإمساك الصمت برفق. أعدّ شاي المريمية وتنفّس البخار في هدوء أوّل المساء. إذا مشيت تحت سماء منخفضة مثقلة بالضباب، فدع السكون يستقرّ في داخلك، حتى للحظة.
لون الحظ اليوم هو رمادي أردوازي داكن.
Lucky Color: DarkSlateGray — #2F4F4Fثمّة ثبات في الحجر، حتى حين يكون المصباح مطفأ.