على قمّة الجبل المصباح بارد في يد الناسك. الطريق خلفه امتداد طويل من الحجر، تقطعه رقع من الثلج لا تذوب وجلاميد مكسوّة بالحزاز. تضغط السماء، سقفاً من سحاب منخفض غير منقطع، حابسة الجبل في عالم بلا شمس. من كلّ جانب يلتفّ الضباب ويتكثّف، مبتلعاً حوافّ كلّ صخر ومسار. الناسك، المنقلب إلى الداخل، ترك النار تموت ولم يعد ينادي عبر الهوّة. هو ملفوف في بطّانية خشنة، والألياف خشنة ومنقّطة بذاكرة غنم رعت يوماً في مراعٍ عالية.
أسفل المنحدر العالم ساكن. يسقط المطر صفائح هادئة، محوّلاً الحصى إلى وحل وواسماً سطح بحيرة جبلية نادراً ما تتموّج. في القرية يرتفع الدخان من المداخن، منحلاً في الهواء الرطب فوق أسقف الأردواز. يمرّ أهل القرية من تحت، ورؤوسهم منحنية تحت الرذاذ، ومعاطفهم منقّطة بالماء. مرصوصة عند المداخل، حجارة نهرية جُمعت يوماً لوسم حدّ، تلمع بعد عاصفة الليل. هنا يصير رفض الناسك النزول السكون الذي يستقرّ بعد رعد بعيد: فترة حركة معلّقة، وصمت لا يكسره إلّا التقاطر من المزاريب ودقّة الساعة الثابتة على رفّ الموقد.
يوماً جذب مصباح الناسك التائهين صاعدين المسار الحجري. الآن، ولهبه منسيّ، الرفقة الوحيدة هي النموّ البطيء للطحلب على الحوافّ، وانجراف الضباب بين الركام. في البستان الأسفل تنتفخ الكرنب تحت الوزن الرطب لصباح غائم، والأوراق محاطة بالندى. الطريق إلى العالم ما زال هناك، لكن الناسك اختار رفقة الغرانيت، وطعم العصيدة الباردة، وكشط حجر السنّ على نصل سكّين أضعفته العزلة. كلّ شيء في عزلة الجبل هذه عملي ودائم: وعاء القصدير الذي يحمل خبز الأمس، وحصى النهر المستعمل لتثبيت خيوط الصيد، ورقعة الخزامى التي ذهبت إلى البذر.
الجبل ليس فارغاً، بل هادئاً فحسب. الأجراس المكتومة من غنم بعيدة، وصدى فأس على خشب رطب، وتدحرج الرعد بعيداً، كلّها تتجمّع في الهواء. فانوس الناسك، الذي كان يوماً منارة، محشوّ الآن في صندوق مع مسامير قديمة ويوميات حقل عتّقها الطقس. في هذا الانسحاب يأتي لون العالم من الحجر والسحاب، ومن لحاء صفصاف بعد المطر، ومن دلو صفيح مكدوم موضوع على العتبة لالتقاط السيل. لا عجلة للعودة، ولا نداء إلى ضوء نار القرية. صارت العزلة الطريق القاسي المختار، وقمّة الجبل الوحيدة، والمصباح غير المضاء.
اليوم قد تجلس بهدوء بجانب عتبة نافذة من الأردواز، متتبّعاً أشكال قطرات المطر بإصبعك. قد تطبخ وجبة بسيطة من الفطر والشعير، تاركاً البخار يرتفع وأنت تتنفّس عبير التراب والحجر. قد تلمّع كوباً من القصدير أو تشحذ أداة مفضّلة، مصغياً إلى الكشط الناعم وواجداً الراحة في العمل البطيء الثابت. أو قد تمشي تحت سماء منخفضة، تاركاً سكون الضباب والتقاطر الناعم للماء يشكّلان أفكارك شيئاً ساكناً.
لون الحظ اليوم هو رمادي.
Lucky Color: Gray — #808080ليهدِ طقس الجبل خطواتك.
المصباح غير مضاء، لكن الطريق لك.