يمتد الدرب تحت القمر بين برجين، ولا تنكشف التواءاته ومنعطفاته إلا على رقع. كل خطوة تجلب الشك، بينما يتجمع الندى على العشب وتلمع الحجارة برطوبة الليل. يجيب نباح كلب بعيد الصرخة الأشد وحشية لذئب، وأشكالهما ملقاة في نصف ظل قرب حافة المد. ما يقع أمامك يمكن تخمينه ولا يمكن رؤيته، والمشهد محجوب بوهج رقيق غير متيقن.
الأبراج قديمة، ولعلها بُنيت من الحقول نفسها التي تحيط بها، حيث كان الكتان يُزرع يوما لسوقه الطويلة الشاحبة. حقول الكتان في أوائل الصيف يحركها الريح وهي خفيفة كالريش، والنباتات ترتفع في صفوف متقاربة قبل الحصاد. في أبرد الساعات قبل الفجر يمكنك أن تسمع تقريبا قعقعة الأيدي الناعمة وهي تعمل هذه السوق، تفصل الليفة عن الساق، بداية عملية قديمة قدم النسيج نفسه. في مكان ما في الوادي وراء الأبراج يتحرك نهر بهدوء، وضفافه محفوفة بالنباتات التي ستصير أليافها قماشا يوميا وكفنا طقسيا معا.
داخل كوخ منخفض تجلس امرأة في هدوء المساء المتأخر. أمامها طول من القماش، بارد عند اللمس، مغزول ومنسوج بأيدٍ متأنية. تعمل على الوميض الخافت لشمعة من الشحم، وإبرتها تتبع نمطا تعرفه من الذاكرة، غير متيقن كما يبدو تحت ضوء متحول. وزن القماش يكفي بالكاد ليسكن ذهنها، فيثبّتها حتى بينما يذوب العالم في الخارج في الحيرة والإمكان. تذكر حكايات هائمين سافروا ليلا، حاملين معهم حقائب مصنوعة من المادة نفسها، والنسيج يقيهم البرد، حاملا رائحة الحقول ووعد العودة.
قرب الماء يصلح الصيادون شباكهم، وأصابعهم تتحرك بثبات عبر الحلقات والعقد. كل شبكة شبكة من الليف، قوية لكنها لينة، مصنوعة لتلين وتمسك. أصوات الصيادين منخفضة، تنكسر أحيانا إلى ضحك وهم يروون مشاهد غريبة تحت القمر. لمع الحراشف، والوميض المفاجئ لجناح بلشون، والطريقة التي يسحب بها المد بإيقاعات أقدم من الذاكرة. الشباك، التي كانت يوما جديدة ولم تُمس، تحمل الآن آثار الملح والحكاية. حتى هنا، حيث يذوب العالم في الضباب واللايقين، يستمر عمل الصنع والترقيع.
في السوق ترقد لفائف القماش في أكوام، جاهزة للقص والتشكيل. تمرر تاجرة يديها على سطحها، تحس الوعد الهادئ بالمتانة والعناية. تذكر مئزر جدتها، وقميص أبيها، وخمار زفافها، وكلها صنعتها أيدٍ وثقت بالعمل الثابت لتحويل الحقل إلى ليف. يشتري بعض الزبائن قطعا لأمور عملية. لتبطين سلة، ولتجليد كتاب، ولف رضيع ضد البرد. ويسعى آخرون إلى شظايا للطقس. لتوضع على مذبح، ولتعلق عند مدخل، أو لتعلّم دوران السنة. حتى القصاصات تجد مكانها، ترقّع ثوبا قديما أو توسّد تذكارا عزيزا.
الليلة، يمكن لأي أحد أن يمشي الحدود بين اليقين والحلم. يمكنك أن تدخل مطبخك وتمسح قماشا لخبز الغد، أو أن تفتح نافذة لتدخل رائحة هواء الليل وهو يتحرك فوق حقول نما فيها الكتان يوما. إذا توقفت عند عتبتك في هدوء ما بعد منتصف الليل، فقد تسمع خيوط الحكايات القديمة الضعيفة وهي تنسج خلال النوم. فكّر في كتابة ملاحظة على ورقة جيدة، ودسّها في جيب أو درج وعدا لنفسك. أو رقّع تمزقا في شيء بالٍ، ذاكرا كل الرحلات التي شهدها.
لون الحظ اليوم هو كتّان.
Lucky Color: Linen — #FAF0E6ليكن دربك مضاء بلطف.
دع الخيوط القديمة تهديك إلى الأمام.