يقف المجنون على الحافة، قدم في الهواء، والخطوة التالية لم تُختر بعد ولم تُرَ. ثمّة إحساس بالخفة، وقلب يرفعه الإمكان، لكن هنا، في الوضع المعكوس، قد تنجرف تلك الخفة إلى تهوّر. تأتي القفزة قبل النظرة، ويخاطر الهائم المتفائل بأن يفوته ما هو صلب تحته. الأرض مبنية على الثقة وحدها، والعالم في الأسفل رقعة من المخاطر والفرص غير المقدّرة، تنتظر أن تُختبر.
في البلدات القديمة ارتفعت البيوت والأفران من قوالب شُكّلت باليد وشُويت حتى صلابة باقية. هذه الآجر، خشنة وذات ثقل، كوّنت هياكل المطابخ والمواقد، والجدران الخارجية التي صدّت هواء الشتاء الحاد. حين عصفت الرياح وقصرت الأيام، التصقت العائلات بالدفء المنبعث من أفران مبطّنة بالقوالب الباقية نفسها. رقصت النار في الداخل، محميّة برصّ حريص وعمل صبور، وكل قطعة وُضعت بإيمان أنها، معًا، ستصمد في وجه العاصفة.
تحت الأفاريز، وفي أزقة الأسواق، رصّ العمال صفوفًا من هذه القوالب، شهادة على جهد مواسم كثيرة. استقرت سلال الفلفل المجفف وفاكهة أواخر الخريف على ألواح استعيرت من فائض الأفران، وجلودها موسومة بالشمس والحرارة نفسهما اللتين أحكمتا الآجر. انجرف ضباب الصباح الباكر بين الصفوف، فيطمس الخطوط الحادة ولا يطمس الوزن الثابت تحتها. في المخبز أخرج بطن الفرن، المبطّن بحجر مقسّى بالحرارة، أرغفة تذكّر قشورها بالطين المعتّق، دسمة وقوية، صُنعت لرحلات غير مأمونة.
قرب ضفة النهر اصطفت الأفران كتفًا إلى كتف، وقد ليّن الضبابُ الصاعدُ من الدخان ملامحَها. هناك أخرج الخزّافون وصنّاع الآجر القوالب من الجمر، يفحصون كل واحد عن شقوق أو التواء، عالمين أن ليس كل قطعة تنجو من محنة النار. كل آجرة، بعد أن تبرد وتُرص، تمثّل قفزة ثقة: تراب تحوّل، وشكل منحته النار، وأمل بأنه سيندرج في نمط أكبر من غير أن ينكسر.
وجد المسافرون أنفسهم أحيانًا في عواصف سريعة صاخبة على طرق التجارة، والريح تدفع المطر والحصى على جدران الخانات المتينة على جانب الطريق. ثبتت القوالب، والدخان يلتف من المداخن بينما تُغذّى النيران في الداخل بالحطب المشقوق، فتلقي وهجًا يمتزج برائحة الجذور المشوية والحساء الكثيف. في الخارج جمح العالم، وفي الداخل دام المأوى، والأدوات والآنية مصطفّة على رف الموقد: غلاية، ومسواك نار غليظ المقبض، وكوب من الفخار، كلها تذكارات صامتة بما يبقى بعد القفزة.
حين تحس أنك تخطو إلى المجهول، قبل أن تثبت الأرض، قد تشعل عود ثقاب وتراقب اللهب يمسك في الفرن أو الموقد، متذكرًا ثبات الطين المشوي. وضع آجرة، أو بلاطة، أو قدر صغير من الفخار على حافة نافذتك أو رفّك يمكن أن يذكّرك بما يثبت بعد النار والتغيّر. وأنت تمشي في زقاق تحدّه جدران من الآجر القديم، تتبّع المدماك بأطراف أصابعك وعدّ كل واحد برهانًا على مخاطر هبطت بسلام. أو اكتب رسالة إلى شخص في بداية قفزته، تشجيعًا صاغه الصبر ووعدُ العودة الآمنة.
لون الحظ اليوم هو آجر.
Lucky Color: FireBrick — #B22222المأوى الذي بنته اليد والحرارة يصمد لكل قفزة.
لعل خطوتك التالية تجد أرضًا صلبة، حتى حين لا تُرى.