في عالم البطاقة تكون قدما الطفل الصغيرتان محشوتين بالغبار. الراية التي كانت ترقص يوما في الرياح ترقد الآن مرتخية، هشة من الجفاف، وأليافها بالية من شهور من سماوات بلا سحاب. يحمل عرف الحصان الحصى، ويضيع الدرب في الوهج، مجزوزا من الظل والراحة. هنا ليس الضوء بلسما لطيفا بل قوة تجرّد، فتجعل كل شيء سطحا، وكل شيء حوافا. مكان تكافح فيه الجذور، والهواء فارغ من غناء الطيور.
على طريق طويل جاف في أرض قديمة تقوم بقايا فيلا. جدرانها، المنسية لقرون، منقوشة بذكرى البرودة. هناك رائحة دقيق من فرن خبز منسي، وفتات مطحون في البلاط. الطاولة التي كانت ملساء يوما صارت الآن منقّرة وجافة، وطابع وجبات كثيرة قُوسمت تحت شمس لا تلين. كانت كروم العنب تمتد يوما من عمود إلى عمود، لكن سوقها الآن هشة، والأوراق سقطت إلى غبار. على امتداد الممر تبقى ملاءة كتانية، نسجتها أيدٍ غابت منذ زمن، مطوية، وزواياها ملتفة ومصفرة من العمر، شاهدا صامتا على سنوات من ضوء شمس قاسٍ. كل خيط يمسك سرا، مغزول في مواسم أبطأ.
في مخزن تاجر يرقد صندوق من أزرار عاجية قديمة مفتوحا. كانت يوما مشابك على معاطف السفر، تُورَّث حين يطول الأطفال. بالقرب فنجان خزفي مشروخ عند الحافة، متأرجح على حافة صحن فارغ، وطلاؤه باهت من أصائل مضاءة بالشمس بطيئة. حفنة من اللوز، منسية في طبق، منكمشة وشاحبة. على الرف تجلس قرعة مجففة، عُلقت في الماضي للحظ، والآن مشقوقة وباهتة، وبذورها تخشخش في النسيم من الباب.
يأتي المسافرون إلى هذا المكان بجانب البحر، آملين ظل أشجار الزيتون. لكن الأغصان متفرقة. الحجارة تحت القدم طباشيرية وساخنة. يتحركون ببطء، يسعون إلى رقعة راحة. فوقهم السماء شاسعة، غير منقطعة. أحيانا يرتفع الغبار حين تأتي الريح، مستقرا بخفة على كل شيء، غشاء ناعم فوق الجرار، والمصاريع، وآخر قمح الصيف المخزون في الداخل. خطوة خطوة يضغط المشي الصنادل القديمة حتى ترق، وأخمصها مخدوشة بالأثر الذي لا ينتهي. حتى الخبز، المخبوز ذلك الصباح، يتفتت سريعا، وقشرته هشة، والرطوبة ذهبت إلى نفس اليوم الساخن.
في طقس كهذا يتعلم الناس قيمة السكون. يُكال الماء بالفنجان. تجلس سلة بيض على رف، والقشور باهتة بزهر مسحوقي. يلتف الكلب تحت النول، وأنفه مدسوس في القوائم، ينتظر الغسق. في الحقول يكون الصوت الوحيد الطقطقة الناعمة للزيز، يكرر أغنيته كأنه يذكّر. هذه حكاية قديمة، والشمس كانت دائما عطاء وعبئا معا.
اليوم يمكن لأحد أن يضغط التجاعيد من قماش كتاني ويدعه يبرد بجانب نافذة، أو أن يفتح كتاب طبخ عائليا ليخبز خبزا بقشرة ثقيلة. إنه يوم جيد لترقيع معطف ينقصه زر، أو لتقشير اللوز واحدة واحدة، وأكلها بصبر هادئ.
لون الحظ اليوم هو أبيض عتيق.
Lucky Color: AntiqueWhite — #FAEBD7دع اليوم يمسك صبر الأشياء التي لفحها الطقس.
حتى في القسوة يبقى شيء لطيف.